قال تعالى ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) فهي بشرية من نوع خاص ، لذلك جعلت أسوة حسنة ولولا خصوصيتها لما احتاجت إلى تعريف بها ، ولا يكون التعريف إلا حين حدوث الجهل بالمعنى ، أو الشك في هويته ، أو قصور المعرفة عن إدراك ذاته .. فقصرت عقول من عاصروه عن معرفته ، واحتاروا وحدث لهم شك في بشريته لسموها وعلوها ومثلها وصفاتها التي لا تدركها العقول القاصرة . فهو يرى من خلفه كما يرى من أمامه ، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، ولا يتبعه فيء ، ويُخاطبه الضب ويشهد له بالرسالة ، ويسجد له البعير ، ويُسلم عليه الحجر ، وتأتيه الأشجار تشق الأرض شقاً ، وينشق له القمر ، وتمطر السماء بدعوته ، ولا تمسك إلا بدعائه ، ويبكي الجذع لفراقه ، ويعيد عين قتادة المفقوءة المخلوعة إلى موضعها ، مبصرة كحلاء أحسن مما كانت عليه ، وتتوارث ذريته جمال تلك العين ، وهو من علي وعلى منه "أنت مني وأنا منك "لأنه كان له بمنزلة هارون من موسى الذين كانا رسولين شريكين في رسالة واحدة (ألا يرضيك أن تكنون مني بمنزلة هارون من موسى )وجاء التنزيل من الله (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ) فأثبت له البشرية ، كما أثبت بذلك قصور العقول لإدراك هذه البشرية التي احتاجت إلى التعريف بها لما لها من صفات جلبت الشك لتلك العقول القاصرة عن إدراكها ، فبقيت الذات الشريفة متميزة على الكل وأسوة للجميع لأنها تمتاز عن بشرية الخلق أجمعين وحتى من ينتمي إليه صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله بالقرب والنسب له كفل من هذه الصفات التي تعجز العقول وتخير الافهام قال تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍمنَ النِّسَاء ) . فكيف يكون هو كأحد الرجال وهو القائل لست كأحدكم ؟!)
من كتاب مراجعات في الفكر الإسلامي - الجزء الثاني
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.